ابن أبي الحديد
257
شرح نهج البلاغة
بالرضا بمن يختاره ، ولا يجب القدح في الافعال بالظنون ، بل يجب حملها على ظاهر الصحة دون الاحتمال ، كما يجب مثله في غيرها ، ويجب إذا تقدمت للفاعل حالة تقتضي حسن الظن به ، أن يحمل فعله على ما يطابقها ، وقد علمنا أن حال عمر ما كان عليه من النصيحة للمسلمين ، منع من صرف امره في الشورى إلى الأغراض التي يظنها أعداؤه ، فلا يصح لهم ان يقولوا : كان مراده في الشورى بأن يجعل الامر إلى الفرقة التي فيها عبد الرحمن عند الخلاف ان يتم الامر لعثمان ، لأنه لو كان هذا مراده لم يكن هناك ما يمنعه من النص على عثمان ، كما لم يمنع ذلك أبا بكر ، لان امره ان لم يكن أقوى من أمر أبى بكر لم ينقص عنه ، وليس ذلك بدعة ، لأنه إذا جاز في غير الامام إذا اختار ان يفعل ذلك ، بان ينظر في أماثل القوم فيعلم انهم عشرة ، ثم ينظر في العشرة ، فيعلم ان أمثلهم خمسة ، ثم ينظر في واحد من الخمسة ، فما الذي يمنع من مثله في الامام ، وهو في هذا الباب أقوى اختيارا ، لان له ان يختار واحدا بعينه ! ثم ذكر انه إنما حصره في الجماعة الذين انتهى إليهم الفضل ، وجعله شورى بينهم ، ثم بين ان الانتقال من الستة إلى الأربعة ، ومن الأربعة إلى الثلاثة ، لا يكون متناقضا ، لان الأقوال مختلفة ، وليست واحدة ، ولو كانت أيضا واحدة لكان كالرجوع وللامام ان يرجع في مثل ذلك ، لأنه في حكم الوصية . قال : وقولهم : انه كان يعلم أن عثمان وعليا لا يجتمعان ، وان عبد الرحمن يميل إلى عثمان ، قلة دين ، لأن الأمور المستقبلة ، لا تعلم وإنما يحصل فيها أمارة . قال : والأمارات توجب انه لم يكن فيهم حرص شديد على الإمامة بل الغالب من حالهم طلب الاتفاق والائتلاف والاسترواح إلى قيام الغير بذلك . وإنما جعل عمر الامر إلى عبد الرحمن عند الاختلاف ، لعلمه بزهده في الامر وأنه لأجل ذلك أقرب ان يتثبت ، لان الراغب